مقال رأي

الشيخ فاهم القاسمي

رئيس دائرة العلاقات الحكومية في الشارقة

تحوّلنوعيّ وليس تكيّفشكليّ

 لم يكن مجرد عام إغلاق وتوقف للنشاطات، ولاعام وباء وبؤس وضيق، على الرغم من أن هذه الصفات تكاد تلتصق به للوهلة الأولى، إلا أن نظرتنا إليه وقراءتنا لمجرياته تذهب أبعد من ذلك، إنه عام التحديات غير التقليدية، والتجارب الفريدة، عام توسعت فيه أفاق التفكير والتخيل بسبب ضيق مساحات الفعل والتحرك، وحفرت أحداثه عميقاً في وعينا، وتركت بصمات متشابهة على هوية الأفراد والمجتمعات في العالم، عززت المشترك بين الشعوب، ووحدت طموحاتهم ومصائرهم أكثر من أي وقت مضى.

هكذا نرى بمنظور الشارقة العام 2020، هذا المنظور الذي أسقط من قاموسه، ومنذ البدايات، مفردات اليأس والتراجع والمستحيل، فتحولت به الصحراء إلى مركز إشعاع حضاري، وأرض خصبة متعطشة للأفكار والابتكارات في العلوم والفنون والاقتصاد والقيم النبيلة، ووجهةً للراغبين بتجربة حياة ثرية بجميع الخيارات.

لقد دفعتنا الأسئلة الجوهرية التي أثاراتها التطورات النوعية خلال العام الماضي في دائرة العلاقات الحكومية في الشارقةللتعرف أكثر على التجارب المختلفة لشعوب العالم في التعامل مع الحظر والوباء، وكيفية إدارة شؤون حياتهم، وماذا فعلوا حتى تستمر عمليات التعليم وإدارة الأعمال، وفي المقابل سنضع أمامهم تجربتنا التي نثق بتميزها حتى تتعاظم فائدتها بزيادة عدد المستفيدين منها، فالشارقة، كما دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت سباقةً في ابتكار الأساليب والطرق العملية والفعالة لضمان استمرار الخدمات المقدمة للجمهور وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية وتوفير الاحتياجات الأساسية.

لكن النتيجة الأهم التي أفرزتها تجربتنا في الشارقة مجتمعاً ومؤسسات، أن التغيير المنشود لا يجب أن يكون في الأدوات فقط، لكن في الجوهر أيضاً، بل يجب أن يكون الجوهر هو مركزيته وعنوانه، ولو تناولنا التعليم على سبيل المثال، سيبقى أي تغيير في أدواته وطرقه دون الطموحات والتوقعات إذا لم يكن هناك إضافات نوعية على المناهج ومواد التدريس وأخلاقياته.لقد مر العالم باختبار قوي وضع مكتسباته وقيمه على المحك، ولأول مرة خلال العصر الحديث تخوض المجتمعات في العالم التجربة ذاتها في الوقت ذاته وبأحداث تكاد تكون متطابقة، ولأول مرة تصبح أمنايتهم وأحلامهم وطموحاتهم واحدة، وهذا هو الدرس الذي يجب أن يتحول إلى منهج موحد أيضاً نعلمه لأبنائنا ليؤكد على وحدة هذه البشرية ومصيرها.

الأمر ذاته ينطبق على الأعمال، فلا معنى للحديث عن أساليب وأدوات العمل عن بعد أو منصات التبادل الإلكتروني أو آليات الإنتاج الحديث القادرة على الاستمرار بكل الظروف، والشبكات اللوجستية الذكية، إذا لم يسبقه حديث عن نتاج هذا العمل وأبعاده وأثاره على المجتمع، وعن قدرته على احتضان طاقاته والاحتفاظ بها، وتحصين المجتمعات في مواجهة العوز المفاجئ.

آن الآوان للتغيير الجوهري، إنه زمن التحولات النوعية وليس التكيف الشكلي مع إفرازات وظروف جديدة، وآن الأوان لندرك أن التجارب مهما اختلفت في خصوصياتها، وضعتها الأزمة في إطار واحد، بل حولتها إلى تجربة واحدة، وهذا ما نسعى لمشاركة العالم به وبحثه والتوافق على تنفيذه  لنبرهن أن الأزمة ليست سوى انطلاقة نحو زمن أفضل.

  • انتهى-